دخلنا المقهى خلسة … وجوة سمراء تحيط بنا …دخان الشيشة في كل مكان …صور و جرائد تغطي حيطان المقهى ..بعضها قديم و اصفر و بعضها جديد ابيض …صور الرئيس  عليها ..صور فنانين و فنانات ..لمحت مانشيت الأهرام يوم وفاة أم كلثوم …غرقت القاهرة في الحزن مثلما فعلت قبلها باعوام…في الزاوية كرسين من خشب و خيزران ..طاولة مستديرة ..ليست جديدة …بالية ..مستهلكه..داخل شقوق خشبها ..ذكريات من عبروا ..من جلسوا ..من تبادلوا لحظات من العشق الممنوع..

جلسنا ..أنا و أنت ..ليلى و مجنونها في القرن العشرين .. هاربان ..محكوم علينا بالإعدام ..لاننا مارسنا تجارة غير شرعية ..خلقنا سوق سوداء.. لم نرضى بالعالم ..تمردنا ..الحب تهمة يا صغيرتي ..إبحار عكس التيار .. مشيت على فحم ملتهب و لم اجد الخلاص ..أحترقت قدماي ..ضاعت نفسي بين نفسي و بين العالم ..هل أنت ملاذي الأخير ..رفيقتي في التشرد ..شريكتي في الجريمة ..مملكتي و ملكتي الوحيدة ..قاتلتي و ضحيتي ..هل تسرين في عروقي؟

فيروز صوتها يتسلل بين الضجيج..يخترق الدخان و الضحكات و الهمسات و تقول لنا

متل السهم الراجع من سفر الزمان
قطعت الشوارع ما ضحكلي انسان
كل صحابي كبروا واتغير اللي كان
صاروا المر الماضي وصاروا دهب النسيان

صبي القهوة قادم ..رث الثياب ..حافي القدمين.. شاي ..قلتها مرة واحدة ..ضحك ..تركنا و ذهب.

بتتذكر السنة الماضية …أول شيء ..أول الكلمات و اصعبها ..الجرج ..الوجع ..1975 ..اكيد ..من ينسى هذه السنة ..مرت علينا ثانية ثانية ..لحظة بلحظة ..كم قربتنا و كم بعدتنا ..كيف بدي انسى

ظهر الرجل ذو البدلة الرمادية و عربة التسوق .. عربته العزيزة ..يملؤها عبوات بلاستيكية ..شفافة .. حمراء.. صفراء ..خضراء ..زرقاء ..يجرها كل يوم .. يجمع ما يجد من هذه العبوات حول بيروت ..و يجر العربة ..تمر تحت النافذه .. يركض خلفه الأطفال ..يضحكون ..يحاولون سرقة العربة ..أطفال ..أشقياء ..مجنون البلاستيك ..اسم له وحده ..لا يوجد اسم اخر..لكنه ليس مجنون ..هو اقلنا جنونا ..هو العاقل الوحيد في بيروت ..أحب فجن ..قمعه رفض بيروت له..اصعده الهاوية ..حاول الوصول لها ..لم بستطع ..حجبوها عنه ..كانت تضرب عبوات البلاستيك إلى البحر ..كورنيش بيروت ..مع مغرب الشمس ..مشوا معا .. يدان تلتحمان ببعضهما البعض ..يمسك يدها و يقترب من البحر ..يغسلها ..يقبلها ..تضحك ..ثم تعدو نحو البيت ..وحيدا على الشاطىء ..ينتظر الغد ..هل يأتي الغد؟؟

 
كم كرهت رسالتك ..قرأتها عدة مرات ..لماذا .. لماذا سؤال يراودني ..لماذا قتلتي الفرح ..جلست وحيدا .. أين الكاس ..بحثت عن قنينة الويسكي ..السوق السوداء ..عشيقتي الليلية ..ثلج و فراغ الكأس ..املىء الكأس بحزني ..بدموع كاتمة الصوت ..تذرف علي و عليك..على مغامرة العقل الأولى..صراع الطبقات..الأديان ..المذاهب ..الكنائس..المساجد..يصحتهم ..بصحة الدمار و القصف ..بصحة الكاس و الصحة و الحب و الموت ..بصحة اسرائيل و امريكا و الانحاد السوفيتي و يصحة الجامعة العربية و الجمعة العربية و بصحة بيروت و الميني جب وبصحة الارز و بعلبك و فيروز…


جنون

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: